قطب الدين الراوندي
227
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
المبالغة في وصف القوم بصغر لقدر ، فان العرب إذا مات رجل خطير قالت في تعظيم مهلكه : بكت عليه السماء والأرض وأظلمت له الشمس ، ونفى ذلك عنهم في قوله : فما بكت عليهم السماء والأرض ، فيه تهكم بحالهم المنافية لحال من تعظم فقده . وسئل ابن عباس عن هذه الآية فقيل : هل يبكيان على أحد قال : نعم ، مصلاه في الأرض ومصعد عمله في السماء ، فيكون نفي البكاء عنهما كناية عن أنه لم يكن لهم في الأرض عمل صالح يرفع منها إلى السماء ، ومعنى البكاء : الاخبار عن الاختلال بعده . وما كانوا منظرين : أي عوجلوا بالعقوبة ولم يمهلوا ، وأهلكوا في الدنيا على العجلة ولم تؤخر عقوبتهم إلى الآخرة . « شرح الخطبة القاصعة » انما سميت هذه الخطبة بالقاصعة لأحد الوجوه الثلاثة : أحدها : لان المواعظ والزواجر فيها مرددة من أولها إلى آخرها ، من قولهم « قصعت الناقة بجرتها » أي ردتها إلى جوفها وأخرجتها فملأت فاها ، فكأن هذه الخطبة تكرر الوعد والوعيد وتردد الأوامر والنواهي . والثاني : أن يكون من قصع القملة ، وهو أن يهشمها ويقتلها ، فكأن الخطبة هي القاتلة لإبليس والهاشمة له . والثالث : أن يكون من قولهم « قصعت الرجل قصعا » أي صغرته وحقرته ، فكأن هذه الخطبة صغرت كل جبار وكل عبد متكبر وان كان مسلما ( 1 ) .
--> ( 1 ) وذكر الفاضل البحراني ابن ميثم في شرحه 4 - 234 وجها رابعا ، وجعله أول الوجوه وأقربها ، وهو أنه عليه السلام كان يخطبها على ناقته وهي تقصع بجرتها ، فجاز أن يقال : ان هذه الحال لما نقلت عنه في اسناد هذه الخطبة نسبت الخطبة إلى الناقة القاصعة فقيل : خطبة القاصعة . ثم ذكر استعمالها فجعلت من صفات الخطبة نفسها ، أو لان الخطبة عرفت بهذه الصفة لملازمة قصع الناقة لانشائها ، والعرب تسمى الشيء باسم لازمه . وقال قبيل هذا في سبب انشائه عليه السلام هذه الخطبة : ان أهل الكوفة كانوا في آخر خلافته قد فسدوا وكانوا قبائل متعددة ، فكان الرجل يخرج من منازل قبيلته فيمر بمنازل قبيلة أخرى فيقع به أدنى مكروه فيستعدي قبيلته وينادي باسمها مثلا يا للنخع أو يا لكندة نداء عاليا يقصد به الفتنة وإثارة الشر ، فيتألب عليه فتيان القبيلة التي قد مر بها وينادون يا لتميم يا لربيعة فيضربونه ، فيمر إلى قبيلته ويستصرخ بها وتسل بينهم السيوف وتثور الفتنة ، ولا يكون لها أصل في الحقيقة ولا سبب يعرف إلا تعرض الفتيان بعضهم ببعض ، وكثر ذلك منهم فخرج عليه السلام إليهم على ناقة فخطبهم بهذه الخطبة .